ملا نعيما العرفي الطالقاني
99
منهج الرشاد في معرفة المعاد
ولم يتفرّق أجزاؤهم وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ، « 1 » فأحياهم اللّه تعالى بعد المدّة بإعادة أرواحهم الشريفة إلى أبدانهم الباقية . قلت : لا شكّ أنّ في قصّة إبراهيم ، وفي قصّة عزير عليهما السّلام تأييدا لما ذكر من أنّ موت البدن يمكن أن يكون بتفرّق أجزائه ، وأنّ إعادته بجمعها مرّة أخرى . وأمّا التأييد لتمام المقصود فيمكن أن يكون لأجل أنّ نفوس تلك الطيور ونفس ذلك الحمار لعلّها كانت باقية بعد تفرّق أجزاء أبدانهنّ ، إذ لا دليل على فناء ذوات نفوس الحيوانات بالمرّة أو بوجه بفناء أبدانهنّ وبتفرّق أجزائها ، سواء قيل بأنّها أجسام عنصريّة أو روحانيّة ، أو قيل بتجرّدها في الجملة ، وإن كان أدون من تجرّد النفس الناطقة الإنسانيّة كما سيأتي تحقيق القول في ذلك فيما بعد إن شاء اللّه تعالى . وعلى تقدير تسليم أنّ نفوسهنّ تنعدم بانعدام أجسادهنّ كما احتملناه سابقا من جانب المنكرين للمعاد ، حيث إنّ ظاهرهم أنّ النفوس مطلقا تنعدم بانعدام الأجساد ، سواء قيل بكونها أجساما أو أعراضا حالّة في الأجسام . نقول : لعلّ تأييد القصّتين لما ذكرنا إنّما هو من جهة إماتة البدن وإحيائه خاصّة ، حيث إنّ المنكرين للمعاد كما نطقت بعقائدهم الفاسدة الأخبار والآيات ، إنّما استبعدوا المعاد وظنّوا خلافه لاستبعادهم معاد البدن بعد أن صار عظاما ورفاتا وترابا . وأمّا معاد الروح والنفس فلا يظهر ممّا حكي عنهم في الآيات والأخبار استبعادهم له بتلك المرتبة من الاستبعاد ، بل ادّعى جمهور الحكماء أنّ العقل مستقلّ في إثباته ، فلذا رفع اللّه في تينك القصّتين استبعادهم له وأشار إلى أنّه كما أنّ الإماتة والإحياء في شأن تلك الطيور وذلك الحمار ، كان بتفريق أجزاء الأبدان ثمّ جمعها مرّة أخرى ، كذلك يكون في شأن غيرهنّ كما في أبدان الإنسان ، وإن صارت عظاما ورفاتا وترابا ، بل أحرقت فصارت رمادا وذريت في الرياح العاصفة شمالا وجنوبا وقبولا ودبورا ، فإنّ ذلك الجمع والتفريق ممكن فيها أيضا ، حيث إنّ تلك الأجزاء المتفرّقة من الجسد سواء كانت بحيث تبقى فيها صورها مطلقا كما في شأن تلك الطيور حيث كانت الصورة العظميّة واللحميّة والريشيّة باقية فيها ، أو تبقى في الجملة كما في شأن
--> ( 1 ) - وهم رقود : واعلم تعلّق النفس بالبدن باقية في حال الرقود ولا معنى للإعادة والإعادة إنّما هي بعد الموت وزوال التعلّق كما لا يخفى . والبرهان يدلّ على تجرّد النفوس الحيوانيّة تجرّدا برزخيا .